الشيخ محمد الصادقي الطهراني

339

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

الضربة القاسية القاضية ، نفياً لمادة الفساد قدر الضرورة ولحد القتال إذا انحصر بها العلاج وانحسر المضلل عن الاضلال واللجاج . « وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ » . « 1 » فمعاقبة المجادل الظالم ، التي لم تنفعه بالحسنى ، فضلًا عن الحكمة والموعظة الحسنة ، إنها - كضابطة مطردة - معاقبة بالمثل ، فهي مسموحة ككل ، إلا إذا كان في تركها خسار وبوار متواصل لا يصده إلا معاقبته فواجب ، أم غير مسموحة لو أن معاقبته تزيد في طيشه بضره وشره ، والصبر أمامه له منعة - ولا أقل - من تطاوله ، أم راجحة وهي في غير الواجب والمحرم « ولئن صبرتم لهو خير للصابرين » ، والصبر على أية حال أم في الأكثرية المطلقة هو مفتاح الفرج فراجح « لهو خير للصابرين » . فهذه طرق اربع يتطرقها الداعية في سبيل الدعوة وصد الضلالة ، قد تجتمع في بعض المدعوين ، وقد تنفرد ، فمن الناس من تكفيه الحكمة ، أو الموعظة الحسنة ، أو الجدال بالتي هي أحسن ، أو المعاقبة ، أو الأربع كلها ، أو اثنتان منها ، أم ثلاث ، وذلك حسب مقتضيات الظروف والمتطلبات في سياسة الدعوة لكل داعية ، فالأقسام تصبح أربعة عشر قسماً ، فإنها أربع وحدات وجمع الأربع ، وأربع ثلاثيات وخمسة اثنينات . « وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ * إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ » . « 2 » « واصبر » على كل حال ، أيها الداعية في دعوتك بالحكمة والموعظة الحسنة وجدالك بالتي هي أحسن ، وفي معاقبتك لما عوقبت ، تفكراً في كل من هذه الأربع ، وتنقلًا عن كل مرتبة في كل منها إلى أخرى ، كما من كل إلى الآخر ، صبراً في كل سلب وايجاب ، في كل قالٍ وحال وفعال « وما صبرك » في هذه العقبات ، والدوائر المتربصة بك « الا باللَّه » بحول اللَّه وقوته وبغاية الحفاظ على شرعة اللَّه والدفاع عنها ، وبامر اللَّه « فاصبر كما صبر أولوا العزم عن الرسل » .

--> ( 1 ) . 16 : 126 ( 2 ) . 16 : 128